هجر القرآن الكريم: أنواعه وخطورته وعقوبته (خطبة)

منذ 22 ساعة

ومِن آثارِ هَجْرِ التَّحاكُمِ إلى القُرآنِ: وُقوعُ التَّنازع بين النَّاس، حتَّى يُصبح بعضُهم عَدُوَّاً لبعض

 

الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ مُحمَّداً صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسولُه.

 

أمَّا بعدُ: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرُ الهُدَى هُدَى مُحمدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وشرُّ الأُمُورِ مُحدَثاتُها، وكُلُّ بدعةٍ ضلالةٌ.

 

أيها المسلمون: اتقوا الله واحْمَدُوه حيثُ أنزلَ لَكُم خيرَ كُتُبهِ على خَيْرِ رُسُلِهِ في خيرِ الشُّهور وخيرِ الليالي، {﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ } [البقرة: 185]، { ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ } [القدر: 1]،  {﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾} [الشورى: 52]، وأَمَرَنا اللهُ أنْ نتمسَّكَ به لنهتدي، فقال: { ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾} [آل عمران: 103]، فالقُرآنُ الكريمُ هو حَبْلُ اللهِ الممدودِ مِن السَّماء إلى الأرض، قال صلى الله عليه وسلم: «(أَلا وإنِّي تَارِكٌ فيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَحَدُهُما كتابُ اللهِ عزَّ وجَلَّ، ‌هُوَ ‌حَبْلُ ‌اللهِ، ‌مَنِ اتَّبَعَهُ كانَ على الْهُدَى، ومَنْ تَرَكَهُ كانَ على ضَلالَةٍ)» [رواه مسلم] ، ولَمَّا هَجَرَ القومُ كتابَ اللهِ شَكَاهُم نبيُّنا صلى الله عليه وسلم إلى ربِّه، فقال تعالى حاكياً قولَه:  {﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ } [الفرقان: 30]، أي: قالوا فيه السُّوء، وجعلوه متروكًا وأعرَضوا عنه ولم يسمعوا له، وفي هذه الشِّكاية تخويفٌ وترهيبٌ عظيمٌ لكلِّ مَن كان هاجراً للقُرآن، فعزَّى الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم فيمَن سبقه،  {﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴾} [الفرقان: 31]، قال ابنُ تيميَّةَ: (فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ هَجَرَ القُرآنَ فَهُوَ مِنْ أَعْدَاءِ الرَّسُولِ ‌وأنَّ ‌هذهِ ‌العَدَاوَةَ ‌أَمْرٌ ‌لا ‌بُدَّ ‌منهُ ولا مَفَرَّ عنهُ) انتهى، وقال ابن باديس: (وفي حِكاية القرآن لهذه الشَّكوى: وعيدٌ كبير للهاجرين بإنزالِ العِقاب بهم إجابةً لشكوى نبيِّهِ، ولَمَّا كان الْهَجْرُ طَبَقَاتٍ أعلاها عدمُ الإيمانِ به، فلِكلِّ هاجرٍ حظُّه مِن هذه الشَّكوى وهذا الوعيد، ونحنُ معشر المسلمين قد كان مِنَّا للقرآنِ العظيمِ هَجْرٌ كثيرٌ في الزَّمانِ الطَّويلِ وإنْ كنَّا به مؤمنين) انتهى.

 

أيها المسلمون: لقد حذَّر الله تعالى مِن الإعراض عن كتابهِ فقال:  {﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾} [فصلت: 3، 4]، وتوعَّد مَن فَعَلَ ذلكَ فقالَ: { ﴿ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ﴾} [طه: 99 - 101].

 

وعلى ضوء ما ذكَرَهُ المفسِّرون، فإنَّ هجر القرآنِ أو الإعراضِ عنه له جانبان: جانبٌ يتعلَّقُ بالقرآنِ مع عدمِ الإيمانِ بهِ، وهذا صنيعُ الكُفَّارِ والمنافقين، وجانبٌ يتعلَّق بالقرآنِ مع الإيمانِ والإقرار بهِ، وهذا صنيعُ الْمُقصِّرينَ مِن المسلمين، قال ابن القيِّم: (هَجْرُ القرآنِ أنواعٌ: أحَدُها: ‌هَجْرُ ‌سَماعِهِ ‌والإيمانِ ‌بهِ ‌والإصغاءِ إليهِ، والثاني: هَجْرُ العَمَلِ به والوقوفِ عند حلالِهِ وحرامِهِ وإنْ قَرَأَهُ وآمَنَ به، والثالثُ: هجرُ تحكيمِه والتحاكُمِ إليه في أُصولِ الدِّينِ وفُروعِهِ، واعتقادُ أنَّه لا يُفِيدُ اليقينَ، وأنَّ أدلَّتهُ لفظيَّةٌ لا تُحصِّلُ العِلْمَ، والرابع: هجرُ تدبُّرِه وتفهُّمِه ومعرفةِ ما أرادَ الْمُتكلِّمُ بهِ منه، والخامسُ: هَجْرُ الاستشفاءِ والتداوي بهِ في جميع أمراضِ القُلُوبِ وأدوائها؛ فيَطلبُ شِفاءَ دائِهِ مِن غيرهِ ويَهجُرُ التداويَ به، وكلُّ هذا داخلٌ في قولهِ:  {﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾} [الفرقان: 30]، وإنْ كان بعضُ الهَجْرِ أهونَ من بعضٍ) انتهى.

 

عباد الله: أولُ أنواعِ هَجْرِ القرآنِ الكريم: هَجْرُ تِلاوتِه: فاللهُ أمرَ بتلاوةِ كتابهِ فقال:  {﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾} [العنكبوت: 45]، وقال حاكيًا قول نبيِّه صلى الله عليه وسلم:  {﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ﴾ } [النمل: 91، 92]، قال ابنُ كثير: (أيْ على الناسِ أُبَلِّغُهُم إيَّاهُ) انتهى.

 

وحثَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على قِراءةِ القُرآنِ فقال: «(اقْرَؤُوا القُرآنَ فإنهُ يَأْتِي ‌يومَ ‌القِيامَةِ ‌شَفِيعاً ‌لأصحابهِ)» رواه مسلم، وأوصى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أبا ذرٍّ فقالَ: (عليكَ ‌بتِلاوَةِ ‌القُرآنِ وذِكْرِ اللهِ، فإنهُ نُورٌ لَكَ في الأرضِ، وذُخْرٌ لَكَ في السَّمَاءِ) رواه ابن حبان وحسنه لغيره الألباني، و(قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: « «إنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قالُوا: يا رسولَ اللهِ مَنْ هُمْ؟ قالَ: «هُمْ أَهْلُ القُرآنِ، ‌أَهْلُ ‌اللهِ ‌وخَاصَّتُهُ»»  [رواه ابنُ ماجه وصحَّحه البوصيري] ، و( «قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَهُ» ) [رواه البخاري] ، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «(يُقالُ -يَعْني لصاحِبِ القُرآنِ-: ‌اقْرَأْ ‌وارْتَقِ ورَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنيا، فإنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بها)» [رواه الترمذي وصحَّحه] .

 

النوع الثاني: هَجْرُ استماعِه والإصغاءِ إليه: فاللهُ أَمَرَنا بالاستماع لآياتِ كتابهِ حين تُتلى، {﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾} [الأعراف: 204]، وإنَّما قال:  {﴿ فَاسْتَمِعُوا ﴾} ، والاستماع يكون بحضور القلب الَّذي يحصل معه التَّدَبُّر؛ بخلاف السَّماع الَّذي يكون مِن غير قصد، قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة رحمه الله: (فلَوْ كانَ الرَّجُلُ ‌مَارَّاً ‌فَسَمِعَ ‌القُرآنَ مِن غيرِ أنْ يَستَمِعَ إليهِ لَمْ يُؤْجَرْ على ذلكَ؛ وإنما يُؤْجَرُ على الاستماعِ الذي يُقْصَدُ) انتهى.

 

وإنَّ مما يَصُدُّ عن الاستماعِ للقُرآن ما قالَهُ ابنُ القيِّم: (سَمَاعُ الْمُكَاءِ والتصْدية، والغناءُ بالآلاتِ الْمُحرَّمة، الذي يصُدُّ القُلوبَ عنِ القُرآنِ) انتهى.

 

النوع الثالث: هَجْر تَدبُّرِه وتَفهُّمِه: فإنَّ تدبُّرَ آياتِ القرآنِ وتأمُّلَ معانيهِ وأحكامهِ هو المقصودُ الأعظمُ مِن إنزالهِ، قال تعالى:  {﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾} [ص: 29]، وقد وبَّخ الله تعالى مَن تركَ التَّدبُّرَ في القرآنِ، فقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، ولَمَّا كان فِقهُ القُرآنِ وفهمُه هو المقصودُ بتلاوته لا مجرَّد القراءة فقط، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: (وهجرُ معانيه أعظم مِن هجر ألفاظه) انتهى، وقراءةُ ما تيسَّر مِن آيات القرآن بتدبُّرٍ وتَمَعُّنٍ أفضلُ مِن قراءته كلِّه مِن غير فهْم، قال ابنُ القيِّم: (فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبُّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّرٍ حتى مرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرَّرها ولو مئة مرَّة، ولو ليلة؛ فقراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ من ‌قراءة ‌ختمةٍ ‌بغير ‌تدبُّرٍ ‌وتفهُّم، وأنفعُ للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذَوْقِ حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السَّلف، يردِّدُ أحدُهم الآيةَ إلى الصباح، وقد ثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قام بآيةٍ يردِّدُها حتى الصباح، وهي قولُه: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾، فقراءةُ القرآن بالتفكُّر هي أصلُ صلاح القلب) انتهى.

 

أقولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

النوعُ الرابع: هَجْرُ العَمَلِ به: فإنَّ الغاية العُظمى مِن إنزال القرآن هي العمل به، والعمل به سبب لنيل رحمة الله في الدُّنيا والآخرة؛ قال تعالى: { ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾} [الأنعام: 155]، قال ابن تيميَّة رحمه الله: (والْمَطْلُوبُ مِن القُرآنِ هُوَ فَهْمُ مَعَانيهِ والعَمَلُ بهِ، ‌فإنْ ‌لمْ ‌تكُنْ ‌هذهِ ‌هِمَّةَ ‌حافِظِهِ لم يَكُنْ مِنْ أهلِ العِلْمِ والدِّينِ) انتهى.

 

ولقد ضَرَبَ اللهُ تعالى لليهودِ الَّذين تركوا العملَ بالتَّوراةِ مَثَلَ السَّوء؛ فقال تعالى:  {﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ } [الجمعة: 5]، قال ابن القيِّم رحمه الله: (فهذا ‌الْمَثَلُ ‌وإن ‌كان ‌قد ‌ضُرِبَ ‌لليهودِ، فهو مُتناوِلٌ من حيثُ المعنى لمن حُمِّلَ القرآنَ فترَكَ العَمَلَ به، ولم يُؤَدِّ حقَّهُ، ولم يَرْعَهُ حَقَّ رِعايتهِ) انتهى.

 

النوع الخامس: هَجْرُ الاستشفاءِ به والتَّداوي: فإنَّ القرآن الكريم شِفاءٌ لجميع أمراض القُلوب والأبدان، سواء كانت أمراضُ القلوب: أمراضَ شُبهةٍ وشكٍّ، أو أمراضَ شَهوةٍ وغيٍّ؛ قال تعالى:  {﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾} [الإسراء: 82]، وحرفُ الْجَرِّ (مِن): لبيان الجنس، لا للتَّبعيض، أي أنَّ القُرآنَ كُلَّه شِفَاءٌ، وقال تعالى:  {﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾} [يونس: 57]، وقال:  {﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ } [فصلت: 44]، قال ابن القيِّم رحمه الله: (فالقُرآنُ ‌هوَ ‌الشِّفاءُ ‌التَّامُّ ‌مِن ‌جميعِ ‌الأدواءِ القلْبيَّةِ والبَدَنيَّةِ، وأَدْواءِ الدُّنيا والآخِرَةِ، وما كُلُّ أَحَدٍ يُؤَهَّلُ ولا يُوَفَّقُ للاستشفاءِ بهِ، وإذا أَحْسَنَ العَلِيلُ التَّداوِيَ بهِ ووَضَعَهُ على دَائِهِ بصِدْقٍ وإيمانٍ وقَبُولٍ تَامٍّ واعتقادٍ جازِمٍ واستيفاءِ شُرُوطِهِ، لَم يُقَاوِمْهُ الدَّاءُ أَبدَاً، وكيفَ تُقَاوِمُ الأدوَاءُ كَلامَ رَبِّ الأرضِ والسَّمَاءِ الذي لَوْ نَزَلَ على الْجِبَالِ لَصَدَّعَها، أوْ على الأرضِ لَقَطَّعَهَا، فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ القُلُوبِ والأبدانِ إلاَّ وفي القُرآنِ سبيلُ الدِّلالَةِ على دَوَائِهِ وسَبَبهِ والْحِمْيةِ مِنهُ، لِمَنْ رَزَقَهُ اللهُ فَهْمَاً في كِتابهِ.. فَمَنْ لم يَشْفِهِ القُرآنُ فلا شَفَاهُ اللهُ، ومَنْ لَمْ يَكْفِهِ فلا كَفَاهُ اللهُ) انتهى.

 

النوعُ السادس: هَجْرُ تحكيمِهِ والتَّحاكُمِ إليه: فاللهُ عزَّ وجلَّ أنزلَ القرآنَ ليحكم بينَ النَّاسِ فيما اختلفوا فيه، ونهاهم عن تحكيم غيره، أو التَّحاكم إلى سواه مِن القوانين الوضعيَّة، قال تعالى:  {﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾} [النساء: 105]، وقال تعالى:  {﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾} [المائدة: 49، 50]، ولَمَّا أعرضَ كثيرٌ من النَّاس عن تحكيم كتاب الله وحَكَمُوا بغيرِ ما أنزلَ الله، استحقُّوا عُقوبة اللهِ، وحَلَّ بهم سَخَطَهُ، وأذاقهم اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وظَهَرَ فيهم الفقر، « (قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «‌خَمْسٌ ‌بخَمْسٍ» قالُوا: يا رسولَ اللهِ وما ‌خَمْسٌ ‌بخَمْسٍ؟ قالَ: «ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إلاَّ سُلِّطَ عليْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وما حَكَمُوا بغيرِ ما أَنزلَ اللهُ إلاَّ فَشَا فيهِمُ الفَقْرُ، ولا ظَهَرَتْ فيهِمُ الفاحِشَةُ إلاَّ فَشَا فيهِمُ الْمَوْتُ، ولا طفَّفُوا الْمِكْيالَ إلاَّ مُنِعُوا النَّباتَ وأُخِذُوا بالسِّنِينَ، ولا مَنَعُوا الزَّكاةَ إلا حُبِسَ عنْهُمُ القَطْرُ»)» [رواه الطبرانيُّ في الكبيرِ وحسَّنه الألباني] .

 

ومِن آثارِ هَجْرِ التَّحاكُمِ إلى القُرآنِ: وُقوعُ التَّنازع بين النَّاس، حتَّى يُصبح بعضُهم عَدُوَّاً لبعض، قال صلى الله عليه وسلم: «(وما لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بكتابِ اللهِ ويَتَخَيَّرُوا مِمَّا أنزلَ اللهُ إلاَّ جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بيْنَهُمْ)» رواه ابن ماجه وصحَّحه الحاكم، قال ابنُ تيمية رحمه الله: (وهذا ‌مِنْ ‌أعظَمِ ‌أسبابِ ‌تَغْييرِ ‌الدُّوَلِ) انتهى.

 

نسألُكَ اللَّهمَّ بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو علَّمتَه أحدًا مِن خلقك، أو أنزلتَه في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أنْ تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونُور صُدورنا، وجلاء أحزاننا، آمين.

  • 2
  • 0
  • 92

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً