إيّاكم والكِبر [1/2] إن للشيطان الرجيم مكايد ومصايد، وأدراناً تسود منها القلوب، وفي الحديث: ...

منذ 2025-03-27
إيّاكم والكِبر
[1/2]

إن للشيطان الرجيم مكايد ومصايد، وأدراناً تسود منها القلوب، وفي الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه].

ومن الأمراض التي يجتهد الشيطان في أن تصيب قلب المسلم الكِبْر والخُيلاء، والكبر هو أن يرى الإنسان نفسه كبيرة، فيزدري بذلك غيره من الخلق ويحتقرهم، والخيلاء: يقال اختال الرجل في مشيته، أي تبختر ومشى مزهوا بنفسه معجبا.

ولقد عرّف النبي -صلى الله عليه وسلم- الكبر خير تعريف وأجمعه لما سأله رجل: «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة؟» فقال: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس) [رواه مسلم]، وبطر الحق دفعه ورده على صاحبه، وغمط الناس احتقارهم.

وفي جواب النبي -صلى الله عليه وسلم- على سؤال الرجل السائل دليل على جواز الزينة ولبس الجميل، ولكن ليس للتفاخر على الناس وازدرائهم.

وهذان -أي: الكبر والخيلاء- من أخبث الأدواء، كيف لا وما أخرج إبليسَ من نعيم الجنة إلا كبرُہ، إذ عصى ربه وامتنع عن السجود لآدم -عليه السلام- وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، بل ويتساءل إبليس اللعين كما ذكر الله عنه في آية أخرى بكل كبر واستعلاء: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61].

والكبر من كبائر الذنوب التي حرمها الله -تعالى- فقال عز وجل: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]، وقال أيضا: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18]، وعن ابن عباس في تفسير قوله سبحانه {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ للنَّاسِ}، قال: «ولا تتكبر، فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك» [تفسير الطبري].

وإنّ قارون كان من المستكبرين في الأرض فخسف به الله -تعالى- داره جزاء وفاقا على تكبره واستعلائه على الناس.

ومن الناس من قد فتك الكِبر بقلبه، إما لمال، أو نسب، أو حسب، أو علم، أو منصب، أو مكانة؛ إذا جلس بين الناس أكمخ، وإذا تكلم زمخ بأنفه وشمخ.

وليته علم أن عقوبة المستكبرين النار في الآخرة، وقد ثبت ذلك في أكثر من حديث، فعن ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يقول الله، عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم) [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة أيضا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (احتجت النار، والجنة، فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون؛ وقالت هذه: يدخلني الضعفاء والمساكين؛ فقال الله -عز وجل- لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء -وربما قال: أصيب بك من أشاء- وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها) [رواه مسلم].

ومن يتكبر اليوم في مجالس الدنيا على غيره من المسلمين، لهو من أبغض الناس للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأبعدهم منه مجلسا يوم القيامة، فعن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون)، قالوا: «يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟» قال: (المتكبرون) [رواه الترمذي].

وقد ثبت في صحيح مسلم دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجل عاند بسبب كبره، فعن سلمة بن الأكوع أن رجلا أكل عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشماله، فقال: (كل بيمينك)، قال: «لا أستطيع»؛ قال: (لا استطعت)، ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه؛ قال النووي: «وفي هذا الحديث جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر».

هذا والنبي -صلى الله عليه وسلم- من أحلم الناس وأرحمهم وأكثرهم عفوا، ولكنه لما علم أن ما دفع هذا الرجل إلى رد أمره إنما هي أنفته واستكباره على الحق دعا عليه.

وعن حارثة بن وهب الخزاعي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف، لو أقسم على الله لأبره؛ ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظٍ مستكبر) [رواه البخاري ومسلم]، والجواظ المتكبر.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 64
الخميس 20 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليغرام:
@WMC111ART

675b0ecd560d4

  • 1
  • 0
  • 2

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً