إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله- في ...
منذ 2025-04-01
إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ
قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]: «والمعنى: أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر اللّه أن كل من خشي اللّه فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، فأهل الخوف للّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللّه.
وقد روي عن أبي حيان التيمي أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم باللّه ليس عالماً بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس عالماً باللّه، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه. فالعالم باللّه هو الذي يخافه، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه. وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه، وأعلمكم بحدوده).
وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعلهم الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 13 - 14]، وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، فوَعَدَ بنصر الدنيا وثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف اللّه. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17].
- من علم بالله أطاعه:
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وكذلك قال سائر المفسرين. قال مجاهد: كل عاصٍ فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم: إنما سُمُّوا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميِّزين. وقال الزجّاج: ليس معنى الآية: أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.
والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسُمُّوا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة. فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية.
والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع للّه، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من اللّه، إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص. ومنه قول ابن مسعود، رضي اللّه عنه: كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دلَّ على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصوُّر الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غيرُ تصور المُخبَر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوَّر محبوباً له ولا مكروهاً، فإن الإنسان يصدِّق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلباً. وكذلك إذا أُخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المُخبِر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أُخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب.
المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 هـ
مقتطف من مقال: إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ
لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART
قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]: «والمعنى: أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر اللّه أن كل من خشي اللّه فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، فأهل الخوف للّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللّه.
وقد روي عن أبي حيان التيمي أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم باللّه ليس عالماً بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس عالماً باللّه، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه. فالعالم باللّه هو الذي يخافه، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه. وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه، وأعلمكم بحدوده).
وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعلهم الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 13 - 14]، وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، فوَعَدَ بنصر الدنيا وثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف اللّه. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17].
- من علم بالله أطاعه:
قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وكذلك قال سائر المفسرين. قال مجاهد: كل عاصٍ فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم: إنما سُمُّوا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميِّزين. وقال الزجّاج: ليس معنى الآية: أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.
والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسُمُّوا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة. فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية.
والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع للّه، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من اللّه، إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص. ومنه قول ابن مسعود، رضي اللّه عنه: كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دلَّ على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصوُّر الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غيرُ تصور المُخبَر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوَّر محبوباً له ولا مكروهاً، فإن الإنسان يصدِّق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلباً. وكذلك إذا أُخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المُخبِر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أُخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب.
المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 هـ
مقتطف من مقال: إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ
لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART